ابن سبعين
108
أنوار النبي ( ص ) أسرارها وأنواعها
يرون رؤيته ويرون خلفه وظهره صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولما ورثته صلّى اللّه عليه وسلّم في هذا المقام ، وكانت لي هذه الحالة : كنت أصلّي بالناس بالمسجد الأزهر بمدينة فاس ، قلت : وهو المعروف الآن بمسجد عين الخيل ، قال : فإذا دخلت المحراب أرجع بذاتي كلها عينا واحدا ، فأرى من جميع جهاتي كما أرى قبلتي ، لا يخفى على الداخل ولا الخارج ، ولا واحد من الجماعة حتى إنه ربما يسهو من أدرك معي ركعة من الصلاة ، فإذا سلمت ورددت وجهي إلى الجماعة ادعوا أرى ذلك الرجل يجبر ما فاته فيخل بركعة ، فأقول له : فاتتك كذا وكذا ، فيتم صلاته ويتذكر ، فلا يعرف هذه الأشياء ، ولا هذه الأحوال إلا من ذاقها ، انتهى منها بلفظها . وفي نزهة الزاد وبغية الحاوي للعارف باللّه القطب سيدي المختار بن أحمد الكنتي في الباب الخامس في بدء الوحي والإسراء ما نصه : ثبت عنه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه لما حمل على الرفرف والتمع بصره جعل يرى بجميع بدنه ، فيرى من أمامه كما يرى من خلفه ، وكما يرى عن يمينه وشماله ، وذلك بأن صار كله بصرا ، فحينئذ تأهل أن يرى ربه لما أمدّه به من وضع يده بين كتفيه حتى وجد بردها على فؤاده ، فعلم بذلك علوما شتى ، ثم قطرت نقطة العلم على قلبه وفؤاده ، فازداد علما على علم ، انتهى المراد منه بلفظه . وقال العارف الحفني في حاشيته على الجامع الصغير في الكلام على رواية : أتموا الركوع والسجود ما نصه : قوله لأراكم أي : رؤية إدراك وكشف قلبي ، فلا تتوقف على وجود البصر ، ولا على وجود الضوء ، فهو خرق للعادة . قال : وهذا الإدراك حاصل له صلّى اللّه عليه وسلّم من حين رأى ربه ليلة الإسراء بعين بصره ، وما قيل : ( كان له صلّى اللّه عليه وسلّم حدقتان في ظهره ) رد بأن ذلك مشوه للخلقة ، وقد كان سيدنا موسى يرى النملة السوداء في الليلة الظلماء مسيرة عشرة أيام ، وقيل : فراسخ من حين كلّمه اللّه تعالى ، ثم قال : فذاك الإدراك ليس بحدقتين في ظهره ، كسم الخياط لا يحجبهما الثياب ، كما قال بعضهم فإنه لا أصل له ؛ إذ هو مشوه ، وليس هذا خاص بالصلاة انتهى .